ابن عرفة
125
تفسير ابن عرفة
الخلق ملك اللّه تعالى ففيها رد على المعتزلة القائلين بأن العبد يخلق أفعاله وبالتولد ، وأن صنعة النجارة متولدة عن فعل العبد ، وفعل العبد مخلوق للعبد . قوله تعالى : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ . الضمير عائد على الأرض ، واستثنى بعضهم من هذه الأرواح بأنها باقية بقاء اللّه عز وجل ، وعجب الذنب لما ورد في الحديث : " إنه يفنى من ابن آدم كل جسده إلا عجب ذنبه " ، والذنب وهو قدر مغرس الإبرة ، ولهذا يقف بعض الفراعنة ، قوله تعالى : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ، ومنها ما يبقى ، فإن قلت : لم عبر بمن وهلا عبر بما فإنها أعم لوقوعها على ما لا يعقل ، فالجواب : أنهم ما خالفوا إلا في بقاء من يعقل ، لأن الفلاسفة يقولون : إن علم الإنسان لا يفنى ، وأنه لا يزال باقيا ، فإن قلت : لم عبر بالاسم في قوله تعالى : فانٍ ، وبالفعل في قوله تعالى : وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ، والعكس أولى ، فإن البقاء وصف ثابت ، والفناء متجدد ، فالجواب : أنهم لما خالفوا في الفناء أتى بلفظ الاسم المقتضي للثبوت ، والبقاء الثابت لا يحتاج إلى التغيير فيه بالاسم ، وفيه إشارة إلى تصحيح مذهب من يقول إن العرض ما يبقى زمنين ، وأنه في كل وقت ينعدم ، ويأتي غيره ، قال ابن عرفة : المراد البقاء العقلي الذاتي ، وهو من خواص القديم ، وأما البقاء الشرعي السمعي فيكون من الحوادث كنعيم الجنة ، وعذاب أهل النار ، فإنه دائم غير منقطع ، واعتزال الزمخشري في قوله تعالى : وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ، فقال : ومعناه الذي محله الموجودون عن التشبيه بخلقه ، وعن أفعالهم ، والذي يقال له : ما أجلك وما أكرمك ، أو من عنده الجلال والإكرام المخلصين من عباده ، قال ابن عرفة : ونحن نقول مسنده إلى اللّه تعالى قبحها وحسنها ، والجميع حسن عقلا ، ولذلك قوله في الصفات . قوله تعالى : ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ . فسره الزمخشري : بثلاثة أوجه : الأولان : لأن فيه شبه الإضافة إلى الفاعل ، والأخير فيه شبه الإضافة إلى المفعول ، وعقبه بقوله تعالى : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ، لأن التشبيه على استحضار بقاء اللّه تعالى واتصافه بالجلال والإكرام نعمة وتفضيلا ، قيل له : وكذلك الفناء لحديث : " الدنيا سجن المؤمن ، وراحة الكافر " ، فقال : لا يحتاج إلى هذا ومناسبتها مع آخر الآية يكفي ويكون في أول الآية وعظ وتخويف ، وفي آخرها نعمة وامتنان . قوله تعالى : يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ .